محمد بيومي مهران
117
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
تراه يشب في اليوم ما يشبه غيره في الشهر « 1 » . والرواية على هذا النحو مزيج عجيب من روايات مختلفة ، فضلا عن أن سهام الريب توجه إليها من كل جانب ، وليس بالوسع القول أنها ترقى إلى ما فوق مظان الشبهات ، ولعل أهم ما يوجه إليها من شبهات يتلخص في نقاط : منها ( أولا ) أن تلك الأسطورة التي تتردد في المصادر العربية - دون غيرها من المصادر والحقائق التاريخية - عن الملوك الأربعة الذين حكموا الدنيا بأسرها ، لا تتفق والحقائق التاريخية أبدا ، فأول هؤلاء الملوك - وأعني به نمرود - قد لا يعلم أصحاب هذه الأسطورة أن التاريخ البابلي لا يعرف ملكا بهذا الاسم - حتى الآن على الأقل - ولست أدري من أين جاء به أصحابنا المؤرخون الإسلاميون ، وأكبر الظن أنهم أخذوه من توراة يهود ، حيث جاء فيها « وكوش ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض . . . وكان ابتداء مملكته بابل وأرك وأكد وكلنه في أرض شنعار » « 2 » ، على أن التاريخ يعرف بلدا باسم « نمرود » - على مجرى الزاب الأعلى - وقد كانت عاصمة للإمبراطورية الآشورية على أيام سرجون الثاني ( 722 - 705 ق . م . ) ، وهي نفسها مدينة « كالح » في التوراة « 3 » ، وهكذا خلط كاتب سفر التكوين بين الملك والمدينة ، ثم جاء مؤرخونا ونقلوا ما في التوراة ، وكأنه التاريخ الذي يرقي فوق كل هواتف الريبة والشك . وأما « نبوخذ نصر » - أو بختنصر كما يدعونه - ( 605 - 562
--> ( 1 ) ابن الأثير 1 / 94 - 95 ، الطبري 1 / 233 - 237 ، أبو الفداء 1 / 13 ، ابن كثير 1 / 148 ، المحبر ص 392 - 394 ، تفسير ابن كثير 3 / 181 ، 182 ، مروج الذهب 1 / 56 ، تاريخ الخميس ص 89 - 91 ، 114 ، المقدسي 3 / 45 - 48 ، 53 ، 54 ( 2 ) تكوين 10 : 8 - 10 ( 3 ) تكوين 10 : 11